ابن المقفع
225
آثار ابن المقفع
ثم إن الجرذ خرج بعد ذلك من وكره خائفا أن يدنو من السنور ، فناداه : أيها الصديق الناصح ذو البلاء « 1 » الحسن عندي ، ما منعك من الدنو إلي لأجازيك بأحسن ما أسديت « 2 » إلي . هلم إلي ولا تقطع إخائي ، فإنه من اتخذ صديقا وقطع إخاءه وأضاع صداقته حرم ثمرة إخائه وأيس من نفعه الإخوان والأصدقاء . وإن يدك « 3 » عندي لا تنسى وأنت حقيق أن تلتمس مكافأة ذلك مني ومن إخواني وأصدقائي ولا تخاف مني شيئا . واعلم أن ما قبلي « 4 » لك مبذول . ثم حلف واجتهد على صديقه فيما قال . فناداه الجرذ : رب صداقة ظاهرة باطنها عداوة كامنة وهي أشد من العداوة الظاهرة ! ومن لم يحترس منها وقع موقع الرجل الذي يركب ناب الفيل الهائج ثم يغلبه النعاس فيستيقظ تحت فراسن « 5 » الفيل فيدوسه ويقتله . وإنما سمي الصديق صديقا لما يرجى من صدقه ونفعه ، وسمّي العدو عدوا لما يخاف من اعتدائه وضرره . والعاقل إذا رجا نفع العدو أظهر له الصداقة ، وإذا خاف ضر الصديق أظهر له العداوة . ألا ترى تتبع البهائم أماتها « 6 » رجاء ألبانها ، فإذا انقطع ذلك انصرفت عنها . وربما قطع الصديق من صديقه بعض ما كان يصله « 7 » منه فلم يخف شره لأن أصل امره لم يكن عداوة . فأما من كان أصل امره عداوة جوهرية ثم احدث صداقة لحاجة حملته على ذلك ، زالت صداقته فتحولت وصارت إلى أصل امره ، كالماء الذي يسخن بالنار ، فإذا رفع عنها عاد باردا . وليس من أعدائي عدو اضرّ لي منك ، وقد اضطرني وإياك حاجة إلى ما أحدثنا من المصالحة ، وقد ذهب الأمر الذي احتجت إلي واحتجت إليك فيه ، وأخاف أن يكون مع ذهابه عود العداوة . ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي ، ولا للذليل في قرب العدو العزيز . ولا أعلم لك
--> ( 1 ) البلاء : الاختبار والامتحان . ( 2 ) اسديت : قدمت وأحسنت . ( 3 ) يدك : هنا بمعنى نعمتك . ( 4 ) قبلي : عندي . ( 5 ) فراسن : جمع فرسن وهو للجمل والفيل كالقدم للانسان . ( 6 ) يقال أمات للبهائم ولغيرها مما لا يعقل ، وأمهات للعاقل . ( 7 ) وصله : أعطاه ، ووصل اليه : بلغه .